نبذة مختصرة عن تاريخ رباط تريم لتدريس العلوم الدينية والعربية
المقدمة :
الحمد لله رب العالمين القائل : ﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة:122] ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء المرسلين سيدنا محمد المبعوث معلماً ومتمماً لمكارم الأخلاق القائل في حديثه الصحيح : «من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة » [رواه الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه] ، وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
أما بعد: فهذه نبذة مختصرة عن تاريخ رباط تريم لتدريس العلوم الدينية والعربية نسأل من الله التوفيق والقبول.
مراحل التأسيس :
في مطلع القرن الرابع عشر الهجري مر تأسيس الرباط بمراحل متعددة ومتنوعة ؛ من جمع الأموال والسعي في تحصيلها ، وإنشاء الوقفيات وغيرها ونوجزها في الآتي :
المرحلة الأولى : السعي في جمع الأموال في سنقافورة ووقفها :
سعى الحبيب عبدالقادر بن أحمد الحداد في جمع الأموال من أرباب الخير في سنقافورة لقصد إعانة فقراء العرب وتعليمهم القرآن، وبعد جمع الأموال قام الحبيب عبدالقادر الحداد بشراء ثلاثة بيوت ، كما تبرع السيد عقيل بن سالم السري بالبيت الرابع، وقام بتسجيل ذلك لدى الحكومة السنقافورية ، ضمن وثيقة صيغة الترستي (وهي ليست صيغة وقف شرعية).
وتم تعيين أمناء الترستي لهذه البيوت، وهم: الحبيب عبدالقادر بن أحمد الحداد، والحبيب محمد بن سالم السري، والحبيب أحمد بن عبدالرحمن السقاف بن أحمد الجنيد، والشيخ محمد بن عمر عرفان بارجاء.
وللقيام بهذا المشروع السامي تم الاتفاق على مجموعة من الشروط فيما يتعلق بعمل الأمناء ، منها:
- جمع أكرية ومحاصيل الترستي لتصرف تلك الأموال في بناء رباط في بلدة تريم وفي إصلاحه وترميمه ، وفي أقوات ومنازل الجالسين فيه .
- وفي تحصيل معلمين عارفين بالشريعة وعلوم المسلمين ؛ لقصد تعليم فقراء العرب بفروضهم الدينية، وعدم إدخال غير فقراء العرب ، والتابعين لأهل السنة والجماعة المتمذهبين بإحدى المذاهب الأربعة المعروفة، وغير ذلك من الشروط التي تبدو مع واقع ما عملوه منذ افتتاح الرباط أنها مجرد اتفاقات لا أكثر.
وقد ذكر تلك الشروط مؤلف كتاب «تذكرة الباحث المحتاط» غير أنه لم يستوفِ جميع ما كُتب في صيغة الترستي.
المرحلة الثانية : ترتيب الموقع لإنشاء الرباط في مدينة تريم:
خرج الحبيب عبدالقادر الحداد من سنغافورة إلى مدينة تريم، واجتمع بالأمناء الثلاثة في بيت الحبيب العلامة محمد بن سالم السري في شهر شوال سنة 1303هـ، وأعلمهم بما وَقَع في سنغافورة من أمر الترستي، وجعلهم أمناء على ذلك الترستي فقَبِلوا واتفقوا على أن يكون محل بناية الرباط قُرب مسجد الجامع ، ورأوا أن المكان المناسب لذلك هو ما يملكه الحبيب أحمد بن عمر الشاطري المعروف بـ(دار محسن والحارة التي بحريها) ودار أخرى لآل مقبل ، ولما أرادوا شراء ما يملكه الحبيب أحمد الشاطري وأخبروه بمقصدهم السامي بَادَر بوَقْفِه، واشترى الحبيب محمد بن سالم السري دار آل مقبل التي تقع شرقي دار محسن ثم أَوْقَفَه.
وتولى الحبيب عمر بن أحمد الشاطري نظارة الرباط فكان أول ناظر على رباط تريم منذ نشأته، وتولى الإشراف الكامل على بنائه واستمر إشرافه على كل ما يتعلق بإدارة أمور الرباط والطلبة المقيمين بالرباط وغيرها.
وقد جاء في الرسالة التي وجهها أعيان مدينة تريم وعلمائها -حوالي عشرين شخصاً- بتوقيعاتهم منهم قاضي تريم الحبيب حسين بن أحمد الكاف وأمناء الترستي والتي وجهوها إلى ملك الهند - مير محبوب باد شاه المعروف والمرفوع إلى راحم السركال - جاء فيها : (إن مدينة تريم المحروسة التي هي عاصمة حضرموت وحرم ذلك الإقليم ومعشعش الأولياء والسادات والعلماء والصالحين قد بُني بها رباط عظيم لطلبة العلم الشريف وهو الآن مشحون بالطلبة تحت نظارة السيد الفاضل عمر بن أحمد بن عمر الشاطري ...الخ). حرر هذا بتاريخ 27 شهر صفر سنة 1328هـ.
وجاء في كتاب «شمس الظهيرة» للحبيب العلامة عبدالرحمن بن محمد المشهور في ترجمة الحبيب عمر بن أحمد الشاطري: ( كان شريفاً فاضلاً يحب العلم وأهله ويحرص على طلبته ، قائماً بوظيفة الرباط بتريم باذلاً جهده في ترتيب أهله وتعليمهم وحفظهم). اهـ
المرحلة الثالثة : بناء الرباط :
بعد جمع الأموال والاتفاق على موقع البناء كما تقدم، بدأ الشروع في بناء الرباط بنظر الحبيب عمر بن أحمد الشاطري في شهر ذي القعدة الحرام 1303هـ، وتم الانتهاء من العمل في آخر يوم من ذي الحجة 1304هـ ، في الموقع المحدد أعلاه.
ثم بعد فترة طويلة من الزمن قام الحبيب عبدالرحمن بن علي الجنيد مع المحب سالم مرجان بشراء دار آل الخديد (مناصفة بينهما) والواقع شرقي جنوبي الرباط، ووقفا هذه الدار سنة (1338)هـ وأُضيفت إلى بناية الرباط وكان الانتهاء من البناء والتوسعة سنة 1342هـ أي بعد خمس وثلاثين سنة من بناء الرباط .
ثم تبرع الحبيب عمر بن أحمد الشاطري بالمخازن وتوابعها، الواقعة شمال دار الخديد سنة (1350)هـ، وتبرع أيضاً بوقف الممر الموجود حالياً من تحت مسجد بابطينة إلى داخل الرباط، وبهذا اكتملت مراحل بناء الرباط على حاله اليوم.
المرحلة الرابعة: افتتاح رباط تريم :
بعد اكتمال بنائه كان الاحتفال بافتتاح هذا الرباط في 14محرم سنة 1305هـ بقراءة قصة المولد النبوي الشريف وبحضور الحبيب العلامة أحمد بن حسن العطاس.
إدارة الرباط العلمية والإدارية :
كما يعرف تم تأسيس هذا رباط تريم الذي طبّق صيته الآفاق ؛ لخدمة طلاب العلم من مدينة تريم والوافدين إليها من داخل اليمن وخارجه ، بعد الافتتاح كان الإشراف العام والرئاسة العلمية إلى مفتي الديار الحضرمية الحبيب عبدالرحمن بن محمد بن حسين المشهور.
وكانت إدارته للحبيب عمر بن أحمد الشاطري والتي شملت مجمل شئون الرباط كالإدارة المالية -كما يعرف ذلك من خلال مراسلاته مع أمناء الترستي والتي يرسل لهم فيها التقريرات المالية فيما يأتي من ترستي الرباط بسنغافورا مخاطباً إياهم بقوله: (ليعلم الواقف على هذا من أرباب ترستي رباط تريم) ولعلها سقطت لفظ: (ترستي) من بعض نسخ كتاب «تذكرة الباحث المحتاط» في صفحته الأخيرة.
ولا يخفى على أحد علاقة الرباط بالإمام عبدالله بن عمر الشاطري وأسرته، لا سيما جده ووالده كما أسلفنا، فلا يكاد يُذكر الرباط إلا ويذكر الشاطري معه، وذلك لما قاموا به من أعمال عظيمة في هذا الرباط المبارك.
تولي إدارة رباط تريم للحبيب عبدالله بن عمر الشاطري وأولاده :
من حين رجوع الحبيب عبدالله بن عمر الشاطري من بلد الحرمين عام 1314هـ تولى إدارة الرباط العلمية ، وبعد وفاة والده تولى نظارته وإدارة كافة شؤونه، وخلفه من بعده أبناؤه فقاموا به أتم قيام ، متبعين عمل من تقدمهم من أسلافهم ، مستعينين في ذلك بغيرهم من طلاب العلم والإداريين والمشرفين، ولم ينازعهم أحد في ذلك فيما مضى، وهذا هو المعروف والمشهور والمذكور في كتب التراجم والتواريخ ومجاميع كلام المتقدمين.
ولا زال الرباط منذ افتتاحه تؤتى ثماره وأبوابه مفتوحة ولم تُغلق إلا في الأيام السوداء من قبل الحكومة الشيوعية آنذاك، ثم تم إعادة فتح الرباط بعد قيام الوحدة اليمنية، على يد الحبيب سالم بن عبدالله بن عمر الشاطري رحمه الله تعالى، الذي عاد إلى تريم في 19 ذي الحجة سنة 1410هـ، وافتتح الرباط بمعية علماء ووجهاء مدينة تريم، وقد ساعده في افتتاح الدروس في الرباط ثلة من علماء تريم، يأتي على رأسهم الحبيب العلامة علي المشهور بن محمد بن سالم بن حفيظ الذي عَمِل فترة من الزمن في إدارة الرباط مساعداً للحبيب حسن بن عبدالله الشاطري والحبيب سالم بن عبدالله الشاطري مع بعض المشرفين والمساعدين من المدرسين والإداريين وغيرهم.
ولا يزال الرباط في وقتنا الحاضر تحت إشراف ونظارة بعض أبناء الحبيب حسن بن عبدالله الشاطري قائمين فيه بعمل من تقدمهم مستعينين بالمختصين من المدرسين والإداريين.
وهو بحمد الله يؤدي رسالته على أتم وجه وأكمله، مقصداً لطلبة العلم الشريف من الداخل والخارج، تقر به عين المحب والمنصف، فلا تكاد تجد معلماً في معاهد العلم في تريم وحضرموت إلا وتجده درس في الرباط أو درس عند من درس في هذا الرباط.
العلوم التي تُدرس في الرباط:
تُدَرَّس في رباط تريم العلوم الدينية بأقسامها من علوم القرآن، والتوحيد، والتفسير، والحديث، والفقه وأصوله. والعلوم العربية من نحو، وصرف، وبلاغة وغيرها، ومنطق وفلك وغيرها، إضافة إلى حفظ بعض المتون في مختلف العلوم .
وخلال ذلك تكون مراجعات للدروس والمتون قبل الدروس وبعدها.
كما توجد مكتبة علمية بها العديد من المراجع والشروح (المخطوط والمطبوع) ليستفيد منها طالب العلم في مراجعته وأبحاثه.
وتعتمد الدراسة في الرباط على أسلوب الحلقات المعروف (بالدراسة التقليدية)، وهي التدرج في الكتب ابتداءً من الكتب المختصـرات فالمتوسطة ثم العليا وينتقل الطالب بينها بحسب نظام الاختبارات التحريرية والشفوية التي تُساعد في تقييم الطالب حتى يختم المرحلة وينتقل إلى الأخرى.
جملة من الخريجين بالرباط:
وفي هذا الصرح العلمي تتلمذ الكثير من طلبة العلم على يد نخبة من شيوخ وعلماء تريم، وعلى رأسهم مفتي الديار الحضرمية الحبيب عبدالرحمن بن محمد بن حسين المشهور، وتخرج من هذا الرباط الآلآف ما بين عالمٍ وقاضٍ ومفتٍ ومدرسٍ وواعظٍ، وقد احتلوا الصدارة المرموقة في مجتمعاتهم، منهم من أسس الجامعات والأربطة والمعاهد العلمية المختلفة، ومنهم من تولى صدارة الإفتاء ، ومنهم من تولى القضاء، ومنهم من تولى التدريس في الجامعات والمعاهد، ومنهم من تولى الوعظ والإرشاد ونشـر الدعوة إلى الله، ومن ثمار تخرجهم استطاعوا تأليف الشروح والبحوث الفقهية واللغوية في مجالات شتى، وقد حصل النفع بالكثير منهم باعتناق الكثير لديننا الإسلامي الحنيف.
ثناء العلماء على الرباط:
وقد أثنى العلماء على هذا الرباط فمن ذلك :
ما قاله الحبيب مصطفى بن أحمد المحضار رضي الله عنه :((وعِلْم هذا الرباط مجرب للنفع والانتشار، وقد عمّ الصومال والزنجبار والمليبار واندونيسيا والهند والسند واليمن وغيرها من الأقطار ، وما من بلدة إلا وجدنا فيها من عِلْم هذا الرباط عَلَم منصوب ، ولا رقبة إلا وجدنا عليها من عِلم هذا الرباط خيط معصوب ، عِلم دفّاق طار في الآفاق وأظن أنه وصل إلى الصين وإلى واق واق)).
وقد وصف الرباط الشيخ العلامة محمد بن سالم البيحاني الكدادي بقوله :
وشيخي وأستاذي الذي في ظِلاله نشأت وأعطاني الكثيرَ وما مَنَّا
هو الشاطري العالم العامل الذي تعلمت من تقريره الشـرح والمتنَا
إذا ما بكت عيني عليه لآلئا فذلك مما كان يحشو به الأذنا
قضـى زمناً في خدمة العلم رافعاً بناء رباط لا يشابهه مبنى
ودرسان في الأسبوع تحضـر فيهما تريم من الأطراف والبلد الأسنى
ويجلس للتدريس سيد قومه عليه سناء البدر إن لم يكن أسنى
ولست براءٍ حوله غيرَ أنجم تـضيء على الدنيا وتملؤها حسنا
وقول إمام الرباط الحبيب عبدالله بن عمر الشاطري داعياً لمن درس بالرباط:
يا ربنا افتح على من قد سكن في الرباط ** افتح عليهم ووفقهم سوي الـصراط
واربأ بهم عن حضيض الجهل والإنحطاط ** وابسط لهم من موائد فيض فضلك بساط
هذا وباوصيك يا من في حمى العلم حاط ** وله عزائم قويه للعلا وارتباط
عليك بالعلم فالزم لا تكن عنه ناط ** واسلط من العزم ماضٍ وادرع بالنشاط
هذا أقل ما يمكن أن يقال في هذه النبذة المختصرة ، وعلى الزائر الكريم التجول في صفحات الموقع ليجد الكثير من التفاصيل عن المناهج والدراسة ، وشروط القبول والتسجيل ، وغيرها في الموقع...
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم،،
المصدر : إدارة الموقع
نشرت بتاريخ : 1-1-1444

